سميح دغيم
مقدمة 23
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
وللإمام موقف من هذه المسألة ، وهو بعد عرضه لمختلف الوجوه المعتمدة في هذه المسألة من قبل مختلف الفرق الإسلامية ، يخلص إلى القول : « اعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلّا وتسمّي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة ، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة » . هذه هي رؤية الإمام للمحكم والمتشابه ، لذلك هو يسعى إلى وضع قانون كلّي يتمّ من خلاله تحديد ما المقصود من المحكم والمتشابه ، وفي ذلك يقول : « اللفظ إذا كان محتملا لمعنيين ، وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحا وبالنسبة إلى الآخر مرجوحا ، فإن حملناه على الراجح فهذا هو المحكم ، وأما إن حملناه على المرجوح ولم نحمله على الراجح فهذا هو المتشابه » ويتابع قائلا « صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بدّ فيه من دليل منفصل ، وذلك الدليل المنفصل إمّا أن يكون لفظيّا وإمّا أن يكون عقليّا . والدليل اللفظي غير قاطع ، فلا بدّ من الدليل الفعلي » . وهكذا سعى الإمام إلى وضع قانون يميّز بين المحكم والمتشابه لحسم الخلافات بين الفرق الدينية الإسلامية . فاختلاف المذاهب داخل علم الكلام كان قائما على التمييز بين المعنى الظاهري والمعنى المجازي أي بين تأويلين مختلفين لما يمكن أن يكون معنى حرفيّا واحدا . لقد جمع الإمام في تفسيره أسلوبين : الأسلوب اللغوي والأسلوب العقلي ، وقد عبّر عن ذلك بقوله : « المتكلّمون هم الذين يبحثون عن الدلائل العقلية ، ويتوسّلون بها إلى معرفة ذات اللّه وصفاته وأفعاله ، ولا يفسّرون القرآن إلّا بما يطابق دلائل العقل وتوافق اللغة والإعراب » . مسائل مفاتيح الغيب : يبدأ الإمام الجزء الأول من المفاتيح بوضع تمهيدات ، ستشكّل الأساس الذي سيعتمده في عرضه للمسائل ، وستشكل أيضا إمكانية للتحقيق في المصطلحات والمفاهيم ، لأجل تصحيح ونقد المذاهب المختلفة . وهو حدّد في مقدّمته أن غرضه من عرض آراء المذاهب ، ليس فقط ردّها وتبيان فسادها ، بل هو يريد أن يؤسس لتحصيل « مسائل يقينية » ، الأمر الذي رفع مستوى عرضه من كونه مجرّد جدل لأجل الجدل ، إلى مستوى التفتيش عن الحقائق . هذه هي المرحلة التي وصل إليها علم الكلام مع الرازي ، بحيث أنه لم يعد مجرّد جدل لردّ مقدمات الخصوم ، بل ارتقى إلى مستوى التأسيس العقلي اليقيني للعقيدة .